الشيخ محمد إمداد حسين برزاده
نيسان/أبريل 2006
في السابع من شهر نيسان/أبريل عام 2005، انفجرت 4 قنابل في مدينة لندن، خلّفت 56 قتيلاً ومئات الجرحى. وبحسب تصريح الحكومة البريطانية، فإنّ جميع التفجيرات كانت انتحارية تورّط فيها مسلمون بريطانيون. وبأخذ هذا التقرير بالاعتبار أعرِض هنا تحليلاً يتعلّق بتفجيرات لندن، على أنّ الاستنتاجات المبسوطة في هذا التحليل التي تعتمد على القرآن والسنّة تمثّل رأيي، ورأيي يمكن الاختلاف معه.
يقول الله تعالى: "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا" (القرآن، 4: 29). ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: "من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسّى سمّاً فقتل نفسه فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً".
إن الانتحار بقصد وتعمّد حرام في الإسلام، وهو كبيرة من الكبائر. حتى أنّ هناك خلاف في الرأي يتعلّق بجواز إقامة صلاة جنازة أو أدائها للميت المنتحر. فالإمام أحمد بن حنبل يرى أنّ الإمام ما ينبغي أن يؤمّ الناس في صلاة الجنازة على المنتحر (ليكون ذلك زاجراً عن هذا الفعل المحرّم)، بل يؤم صلاة الجنازة رجل من العامّة. وبنى الإمام أحمد هذا الرأي على فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلّم حيث لم يصلّ الجنازة على منتحر قتل نفسه، ولكنه لم يمنع الصحابة من الصلاة عليه.
يقول الله تعالى: "مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (القرآن، 5: 32).
إن قتل أي شخص (مسلماً كان أو غير مسلم) على يد أي شخص أو أية حكومة، دون سبب أو تبرير، يعادل قتلَ الناس جميعاً. وذلك لأنّ الذي لا يكرّم ويحترم أي نفس بشرية هو خصم وعدوّ للبشرية جمعاء. ومن جهة أخرى، من يرتكب جريمة قتل أو يُحدِث فساداً في الأرض يمكن أن يُقتل، ولكن مسؤولية هذا الأمر تقع على الحكومة والنظام القضائي في إصدار حكم عقوبة الإعدام بعد دراسة متأنّية للشهود وشهادتهم واستيفاء مطالب العدالة والمساواة. ولكن ليس من حقّ أي فرد أن يقرّر من تلقاء نفسه أن يقتل شخصاً آخر.
ويبدو ملائماً في الوقت الراهن تفصيل الكلام حول الجهاد، إذ إنّ هناك مسلمين وغير مسلمين على حد سواء وبشكل عام أساؤوا فهم هذا المصطلح. فكثير من غير المسلمين فسّروا الجهاد على أنّه بغيٌ وهمجية لكي يلوّثوا الإسلام؛ وكثير من المسلمين تلاعبوا بمسلمين عاديين متهوّرين باستخدام اسم الجهاد واستغلّوهم من أجل بواعثهم وأهدافهم الشخصية. وفي الحقيقة، يشير الجهاد في الإسلام إلى تلك الجهود الفردية والجماعية التي بوساطتها يمكن تعزيز الأعمال التي تتعلّق بتمجيد الحق، واستقرار الأمّة، ونجاح الفرد والمجتمع وازدهارهما. إنّه الجهاد المعني هو ذلك الجهاد الذي ذكره الله سبحانه وتعالى بأنّه الجهاد الكبير، ووصفه النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلّم بأنّه الجهاد الأكبر والأفضل. ومع ذلك، عندما تصبح المساعي السلمية غيرَ قادرة على وضع نهاية للبطش والوحشية، حينئذ من أجل التخلّص من المكر والخبث والقسوة والعنف ونشر السلام والأمن، يوجد تشريع في الإسلام يجيز استخدام القوة والعنف في الجهاد، أي القتال. فهو الملاذ الأخير والفصل الممكن النهائي من الأحداث، والنبي صلى الله عليه وآله وسلّم سمّاه الجهاد الأصغر. واليوم يتجاهل الغالبية العظمى منّا والغرباء عنّا المجاهداتِ المسالمةَ للجهاد الأكبر ويتغافلون عنها، ويلوّثون حقيقة الجهاد ويشوّهونها بالترويج للقتال الذي يقع تحت الجهاد الأصغر.
والجهاد الأصغر، أي إعلان الحرب، إنّما هو حقٌ تتمتع به الحكومة فقط، فليس لأحد من أفراد المجتمع أن يعلن مثل هذا الأمر بنفسه استقلالاً. واليوم، هذا هو المبدأ المطبّق في العالم أجمع. فالحكومات فقط هي التي تعلن حرباً وليس لأي فرد الحق في أن يعلن حرباً على أيّ شخص آخر. وعلى هذا النحو، حين تعلن أيةُ حكومةٍ إسلامية الجهاد فعندئذ يجوز للمقاتلين أن يستخدموا القوة فقط ضدّ الجيش الذي يقاتلهم أو يستعدّ لمقاتلتهم. تماماً كما يقول الله تعالى: "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (القرآن، 2: 190)، ويقول أيضاً: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (القرآن، 60: 8-9).
وعلاوة على ذلك، وفقاً لتعليمات وتوجيهات النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلّم، لا يجوز إطلاقاً قتل النساء والأطفال والعاجزين والمرضى والجرحى وكبار السن ورجال الدين. كما لا يجوز إهانة جثة شخص مقتول أو التمثيل بها؛ وحتى الحيوانات والحقول الخضراء والأشجار المثمرة لا يجوز إتلافها من غير ضرورة. وبعبارة أخرى، حتى في وسط المعركة حيث الانفعالات والعواطف يتعّذر ضبطها، ونيران الانتقام حامية الوطيس، حتى في هذه اللحظات يفرض الإسلام على الجنود قواعد وقوانين ومبادئ معيّنة خاصة بالعدالة والمساواة. وذلك حتى لا يصبح أحدٌ ضحيةَ التعدّي والظلم، لأنّ الله جلّ جلاله لا يحبّ المعتدين. فهل يوجد في عالم اليوم المتقدّم والمزدهر أيّة دولة ملتزمة بحكم القانون والعدالة والمساواة ومعتنية به في أثناء حالة الحرب؟ في وقتنا الحاضر، حالما تبدأ حرب فإذا بالمدن والأماكن المأهولة تُقصَف وتُطمَس؛ ولا ينجو من ذلك الدمار المواطنون المسالمون ولا النساء ولا الأطفال الأبرياء ولا كبار السن ولا المرضى ولا العجزة. وتدمّر جميع المستشفيات وأمكنة العبادة وحتى المؤسسات التعليمية. وذلك الشرف والامتياز في الالتزام بمبادئ العدالة والمساواة وُهِب فقط للإسلام إذ لا يجيز القسوة والتعدّي على أيّ بريء حتى خلال لظى المعارك ووطيس الحرب حيث تقسو الانفعالات وتتوحّش.
الكلمة العربية ’إسلام‘ مشتقة من جذرها ’سلام‘، التي تعني السلام والأمان. وكلّما تقابل المسلمون وحيّوا بعضهم البعض يدعون بعضهم لبعض بالسلام والأمان. وبالإضافة إلى ذ لك، يرفع المسلمون يومياً أكفّهم إلى الله سبحانه وتعالى ويدعون بهذه الكلمات: "اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام وأدخلنا الجنة دارك دار السلام". فمن يمكن أن يكون أكثر محبة للسلام من أولئك الذين يدعون يومياً بدعاء السلام من أجل السلام للآخرين ولأنفسهم أيضاً؟
يقول الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (القرآن، 8: 72).
وهذا يعني أنّه لو أقام بعض المسلمين تحت أية حكومة غير مسلمة، وواجهتهم مصاعب تتعلق بأمور دينهم هناك، وسعى أولئك المسلمون المضطهدون في طلب المساعدة من حكومات مسلمة على هذه الحكومة غير المسلمة المخصوصة، فينبغي حينئذ على هذه الحكومات المسلمة أن تقدّم المساعدة. غير أنّه لو كان بين هذه الحكومات المسلمة والحكومة غير المسلمة ذاتها معاهدة أو اتفاق سلام، فما يمكنها فعله عندئذ إنّما هو القيام بالضغط الأخلاقي على هذه الحكومة، على أنّ استخدام القوة لمساعدة أولئك المسلمين غير جائز. وذلك لأنّ احترام العهد والميثاق والالتزام به أمرٌ واجب. كما يقول الله تعالى: "وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً" (القرآن، 17: 34). ومن أجل ذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: "لا دين لمن لا عهد له".
وكلّ مسلم حصل على الجنسية والمواطَنَة البريطانية فقد أبرم ميثاقاً وعهداً للولاء لبريطانيا العظمى والملِكة. وبمقتضى العقل والقرآن، يعدّ التقيّد والالتزام بهذا العهد مفروضاً فرضاً إلزامياً. وأكثر من ذلك، إن متابعة الوفاء بعهد الآباء إلزاميٌ أيضاً على الأولاد والذريّة. تماماً كما لو أن غير المسلم حصل على المواطَنَة في بلد مسلم بموجب تعهّد معيّن، فإنّ أولاده وذريّته عندئذٍ ملزمين بالتقيّد بهذا العهد أيضاً. وعلى هذا، فلا يحق لأي مسلم بريطاني أن يستخدم العنف ضد بريطانيا العظمى، سواءً داخل حدودها أو في أي مكان آخر خارجها. ومع ذلك، لو أراد أي مسلم بريطاني أحمق أن يستخدم العنف ضد بريطانيا، فعليه أولاً أن ينكث عهد الولاء بالتخلّي عن جنسيته ومواطَنَته وتركها. ومن غير ريب، المسلمون جميعاً كالجسد الواحد، والإحساس بألم ومعاناة بعضهم البعض أمر طبيعي، إلا أنّ رعاية العهود والمواثيق والالتزام بها أكثر أهمية. وعلاوة على ذلك، فإنّ هذا الدرس نتعلّمه من الأسوة العملية والشخصية الكريمة للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم. وتأمّلوا على سبيل المثال في صلح الحديبية.
في يوم الحديبية وافق النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلّم على معاهدة مع مشركي قريش، تتألف من ثلاثة شروط:
1. أن يرد المسلمون من يأتيهم (إلى المدينة) من قريش مسلماً بدون إذن وليه
2. أن لا ترد قريش من يعود إليها (إلى مكة) من المسلمين
3. أن يعود المسلمون ذلك العام على أن يدخلوا مكة لأداء العمرة في العام المقبل؛ وأن يبقوا في مكة ثلاثة أيام فقط، وأن يتركوا سلاحهم، أي السيوف والسهام، في غمدها.
خلال هذه المدة، جاء أبو جندل (وقد دخل الإسلام) إلى المسلمين يمشي في قيوده، وعندما اقترب من الصحابة، أرجعه النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إلى المشركين.
- وبينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يكتب الكتاب مع سهيل بن عمرو إذ جاء ابنه أبو جندل بن سهيل، يجر نفسه في قيود من حديد، ووقف أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلّم. فلما رأى سهيل ابنه أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلابيبه، ثم قال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال صدقت؛ فجعل يجذب ابنه جذباً شديداً في جفاء ليرده إلى قريش. وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فلم يكن على المسلمين أشدّ أذىً من سماعهم لاسترحامه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وإنا لا نغدر بهم. ثمّ ذهب أبو جندل مع أبيه حزيناً كسيراً، وأُبرم الصلح.
ما يمكن استخلاصه بإيجاز من هذا العرض هو أنّ المسلمين البريطانيين يتوجّب عليهم لزاماً المحافظة على عهدهم وميثاقهم واحترامه. بيد أنّه لكي نستوفي مطالبنا واحتياجاتنا ينبغي أن لا نفتأ نبذل مساعي كبيرة من خلال السبل الديمقراطية (تماماً كما يفعل المجتمع اليهودي) بالمشاركة الفعّالة في العملية السياسية، ومن ثمّ انتخاب أعضاء مسلمين في البرلمان أكثر فأكثر. والهموم والقضايا لا تُحَلّ من طريق الانفعال والعاطفة ليس إلا. ولكن يمكن المضي بخطوات إلى الأمام باتجاه مستقبل مشرق فقط من خلال مبادرات مقنعة وإيجابية تعتمد على إدراك صحيح للقضايا الحديثة والحقائق على أرض الواقع.
وفي رأيي، بريطانيا العظمى دولة عظيمة بالنسبة إلى المسلمين إذ إنّها تتمتع بالحرية الدينية وبفرص كبيرة لمعيشة أفضل. وبالرغم من صحّة أنه بعد تفجيرات 7/7/2005 قد أصحبت الأوضاع والظروف صعبة، غير أنّ هذا كان ردّة فعل لتلك التفجيرات. ولو أنّ مثل هذه التفجيرات حدثت في دولة إسلامية بأيادٍ غير مسلمة، فلسوف تكون ردّة الفعل فيها أكير بكثير. ولذلك يجب علينا أن نُري من أنفسنا تحمّلاً وصبراً وتسامحاً.
والله تعالى هو معيننا وحافظنا؛ آمين.