الشيخ عبد الحكيم مراد الشيخ عبد الحكيم مراد
بسم الله الرحمن الرحيم
الجهاد كلمة عربية معناها ’المجاهدة‘ أو ’الجهد‘، وفي تعاليم الدين تدل الكلمة على أي نوع من مجاهدة نزعات النفس الأنانية الدونية. وإن أحد أبعاد ذلك قد يكون في مجاهدة المرء للأثرة والأنانية والجبن في نفسه في سبيل الدفاع عن قومه. وقد أشار النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلّم إلى أحد أشكال الجهاد في قوله: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". على أنّ الذي يفعل هذا قد يعرّض حياته للخطر ولكنّه يقوم على خدمة الضعيف والمظلوم، ولذلك وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلّم على أنه صورة من صور الجهاد.
وفي حين أنّ عدم مقابلة الأذى الشخصي بالمثل يعدّ فضيلة من الفضائل (انظر القرآن الكريم، السورة ’41‘، الآية 34)، إلا أنه يُعتقد في الإسلام أن للمجتمعات البشرية الحق في الدفاع الجماعي عن النفس، إذ إنّ عدم مقاومة العدوان من شأنه أن يؤدي إلى عالَمٍ يهيمن عليه الطغاة والظلَمَة (انظر القرآن الكريم، 22: 40). وعلماء المسلمين في ظل بعض الظروف يجيزون للناس المضطهدين المظلومين أن يتمرّدوا على مضطهديهم. وعلى هذا فإنّهم قد يصنّفون حرب الاستقلال الأمريكية على أنّها شكل من أشكال الجهاد، بالمفهوم الواسع. وعندما تعرّضت البوسنة إلى التطهير العرقي عام 1992، أجاز علماء المسلمين ومراجعهم هناك استخدام القوّة دفاعاً عن الأقلية المسلمة في البلاد. ولولا ذلك لكانت النتيجة قتلاً واغتصاباً جماعياً، ولذلك كان الجهاد مشروعاً. وعلاوة على ذلك، يجيز بعض علماء المسلمين في بعض الأحيان الحرب غير الدفاعية القائمة على المبدأ من أجل تثبيت قواعد العدالة والحرية في دولة مجاورة؛ وربما يقاس على هذا قرار بريطانيا إعلان الحرب على ألمانيا بتاريخ 3/9/1939، من جرّاء غزو ألمانيا لبولندا. وهناك قياسات حديثة أخرى كذلك، منها الحوادث الأخيرة التي استخدمت القوى الغربية فيها القوة للإطاحة بطغاة مثل صدّام حسين.
ويبيّن الشاعر جلال الدين الرومي المبدأ الأخلاقي للجهاد كما يأتي:
"العلم والمال والمنصب والجاه والثراء في أيدي فاسدي الطبع مدعاة للأذى والضرر، ولذلك كان الجهاد واجباً على المؤمنين الصادقين من أجل هذه الغاية، أي بحيث يمكنهم أخذ السلطة من أيدي المجانين".
وفي الأساس، كما هو مفهوم من علماء الأصول التقليديين المسلمين (على النقيض من الإسلاميين المتشددين الرافضين للموقف الأصيل)، فإن فكرة الجهاد تشبه كثيراً بعض صور فكرة الحرب العادلة كما تطوّرت في كنائس مسيحية عديدة منذ عهد القديس أوغستين. وللوقوف على أبحاث جيّدة حول هذا التشابه، يمكن مطالعة كتاب 'Just War and Jihad: Historical and Theoretical Perspectives on War and Peace in Western and Islamic Traditions' "الحرب العادلة والجهاد: وجهات نظر تاريخية ونظرية حول الحرب والسلام في التقاليد الغربية والإسلامية" لجون كِلسي و ترنر جونسون (محررين)، (نيويورك، وستبورت ولندن،1991).
التفجير الانتحاري ممارسة مبتدعة ليس لها أساس في الشريعة الإسلامية. وعندما يستهدف هذا العمل على وجه الخصوص أبرياء غير محاربين، فإنه يعدّ مخالفة أساسية لمفهوم العدالة في الإسلام. وفي القرآن الكريم "وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (6: 164)؛ "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ" (4: 29). وللاستزادة في هذا الباب، يمكن الرجوع إلى مقالتي بعنوان 'Bombing without Moonlight' "تفجير في الظلام الدامس"، وإلى بحث شرعي أكثر تخصصاً للشيخ محمد العفيفي الأكيتي.
تعتقد المجتمعات الإنسانية التقليدية أنّ الحق يؤدي إلى النجاة، وأنّ الضلال يؤدّي إلى الهلاك، ومن المحتمل أن يكون كثير من المتديّنون أنفسهم من شتى الطوائف لا يزالون يعتقدون هذا. ولذلك نجد في التاريخ أن الأمراء المتديّنين كانوا يرون من الضرورة استخدام سلطة الدولة المُجْبِرة لتحريم الردّة. وكان من أقوى مظاهر هذا المفهوم وأكثرها استمراراً في التاريخ محاكم التفتيش التي أُلغيت نهائياً عام 1834. وقد كانت الدول البروتستانتية تحترم هذا المبدأ القاسي؛ ففي الواقع، نُفّذت عقوبة الإعدام بأوائل الذين تحوّلوا إلى الإسلام في بريطانيا على الخازوق. وفي البيئة الهندوسية كانت الردّة كثيراً ما تصنَّف بأنّها انتهاك لقوانين النظام الطبقي وحدوده، ومن الممكن أن يتبع ذلك عواقب قاسية مشابهة. وبعد قيام المغول باستباحة بغداد عام 1253، كان البوذيون الذين يتحوّلون إلى الإسلام يُحكم عليهم بالإعدام تلقائياً.
وقد أوصت مذاهب الفقه الإسلامي السنيّة الأربعة المعتبرة، وأيضاً غالبية فقهاء الشيعة في فترة ما قبل الحداثة، بعقوبات قاسية على نحو مشابه، بالرغم من أنّ القاضي مأمور شرعاً ’بالبحث عن الشُبَه‘ لدرء عقوبة الموت حيثما أمكن ذلك.
وقد ألغت الخلافة العثمانية – الممثل الأعلى للإسلام السنّي – هذه العقوبة رسمياً في أعقاب ما يسمّى إصلاحات التنظيمات التي انطلقت عام 1839. وقد صادَق شيخ الإسلام – الرئيس الأعلى للمحاكم والمدارس الدينية – على هذا التحوّل المهمّ في التعاليم الشرعية التقليدية. وقد جرت الإشارة إلى أنّه لا توجد آية في القرآن الكريم تنصّ على عقوبة للردّة (مع أنّ الآية 54 في السورة 5، والآية 217 في السورة 2، تُنذران بالعقوبة في الآخرة). وأُشير أيضاً إلى أن الإبهام في الأحاديث الشريفة توحي بأنّ الردّة تعدّ خطيئة كبيرة عندما تترافق مع جريمة الخيانة. وقد أدّى هذا الالتباس ببعض المسلمين في القرون الوسطى - قبل زمن طويل من مجيء عصر الحداثة - إلى نبذ رأي الغالبية. ومن أبرز أولئك الأئمة المستبعِدين لهذا الرأي - يمكن للمرء أن يذكر: النخعي (توفي عام 713)، والثوري (توفي عام 772)، والباجي (توفي عام 1081)، والسرخسي (توفي عام 1090)، والشعراني (توفي عام 1565). وقد استمر تداول هذا الأمر ونقاشه، الذي أثاره الإصلاح العثماني، عندما أصدرت جامعة الأزهر في القاهرة - المرجع الديني الأعلى في العالم العربي - فتوى رسمية عام 1958 تؤكّد إلغاء الحكم التقليدي في هذا المجال.
ومن بين السلفيين الوهابيين الذين لا يقبلون الآراء التي ذهب إليها العلماء العثمانيون أو علماء الأزهر، يُعتَقَد عموماً أن الرأي الغالب لحقبة العصور الوسطى ينبغي أن يظلّ نافذاً.
وإن أفضل بحث تناول هذا الجدل هو كتاب ألّفه محمّد هاشم كمالي عنوانه ’حريّة التعبير في الإسلام‘ (كمبردج، 1997).
هذه المسألة تشكّل إلى حدّ ما القضية الأساسية بين الإسلام والغرب. وهناك طيف واسع من الآراء الإسلامية في هذا المقام، قديمة وحديثة؛ ولا توجد رؤية غربية في الحقيقة، إذ إنّ القرويين في فنزويلا، على سبيل المثال، يعدّون غربيين، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اليهود المتشدّدين، والكاثوليك المحافظين، وأعضاء الحركة النسائية المتشدّدة في كاليفورنيا؛ وبينما آراء جميع هذه المجموعات مترابطة من الناحية الأخلاقية، إلا أنّها لا تعدّ جزءاً من ’رؤية غربية‘ واحدة. والحمد لله أن الإسلام والغرب كليهما ذوا تنوّع، وبالطبع هما يتداخلان، إذ إنّ كثيراً من الناس، بمن فيهم أنا، يعتبرون أنفسهم غربيين ومسلمين في آن واحد.
وقد تقبّلت فعلياً جميعُ الأنظمة الأخلاقية والشرعية والاجتماعية في عصر ما قبل الحداثة قناعات ثابتة بشأن الطبيعة الخاصة لكلا الجنسين. فقد اعتُبرت النساء مربيات وربّات بيوت، بينما عُدّ الرجال مكتسبين ومحاربين. وتوجد أسباب بيولوجية واضحة لتفضيل المجتمعات القديمة مثل هذا التقسيم في المهامّ، ويمكن أن يبيّن ذلك النقاش الحادّ الراهن حول ’الربط العصبي المختلف‘ للدماغ عند الرجل والمرأة، مع أنّه من غير المرجّح أن يجد ذلك حلاً قريباً (انظر، على سبيل المثال، كتاب آن وبيل موير 'Why Men Don’t Iron: The Fascinating and Unalterable Differences between Men and Women' "لماذا لا يكوي الرجالُ الملابسَ: الاختلافات المثيرة والراسخة بين الرجال والنساء" [لندن، 2003]). وأياً كان اتّجاه النقاش العلمي، فمن الوضوح بمكان أن أجسامنا لها تأثير على عقولنا، وحتى على نفوسنا، ويمكننا قبول ذلك دون افتراض أن أحد الجنسين يلزم أن يكون أعلى من الآخر.
والإسلام هو دين يأخذ بما هو متأصّل في أبداننا بشكل جدّي، فنحن نصلّي بأجسامنا كما أنّنا نصلي بقلوبنا؛ وإن توجيه الجسد إلى مكّة من شأنه أن يحثّ الروح إلى التوجّه نفسه. يجب أن يكون لإنجاب الأولاد أثر روحي عميق؛ ولذلك يعتقد المسلمون بأن الرجال والنساء على اختلاف من الناحية الروحية. ومع ذلك فأعمال الإسلام الضرورية اللازمة، بما في ذلك الصلوات الخمسة يومياً والحج إلى مكّة وصوم رمضان، واجبة وجوباً حتمياً على كلا الجنسين. وبالنسبة إلى العالم القديم كان ذلك حدثاً استثنائياً، والمسلمون ملزمون بالنظر إليه على أنّه دلالة أنّ النساء والرجال كليهما كائنات روحية، وعليهم واجبات مماثلة (انظر القرآن الكريم، السورة 33، الآية 35).
بعض الطوائف المسيحية لا تقبل شرعية أن تكون المرأة قسّيسة. والإسلام لا يعترف أيضاً بشرعية قيام المرأة بالوعظ والإرشاد (إلا في جمع خالٍ من رجال). ولكنّ ذلك لم يستثنِ النساء من تقلّد مناصب قيادية دينية؛ إذ كان الآلاف من علماء المسلمين في القرون الوسطى من النساء (انظر إلى كتاب روث رودِد بعنوان 'Women in Islamic Biographical Collections' "نساء في مختارات تراجم شخصيات إسلامية" (بولدر ولندن، 1994). فقد كنّ يعلّمن ويعظن ويعطين آراء في الدين في المساجد؛ وغيرهنّ كثيرات ممن اعتبرْن من الأولياء (كامي هلمنسكي، 'Women of Sufism' "نساء الصوفية" [نيويورك، 2003]).
وتحب اليوم الحركةُ النسائية المسلمة النشطة الإشارة إلى أنّه حيث إنّ الإسلام لا يدعو الله ’الأب‘، ولا يعتقد أنّ الله كان متجسّداً في جسد ذكر، فبإمكان المسلمين أن يعتبروا أنّهم يعبدون إلهاً حيادياً من حيث الجنس. وهذا إلى جانب عوامل أخرى كثيرة من شأنه أن يؤكّد الرواج المستمر للإسلام فيما بين النساء. وفي المجتمع الخاص بي في بريطانيا كان حوالي ثمانين بالمائة من المتحوّلين الجدد إلى الإسلام من النساء. أمّا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فيمكن الرجوع إلى كتاب كارول أنوي الرائع والمثير للمشاعر غالباً 'Daughters of Another Path: Experiences of American Women Choosing Islam' "بنات طريق آخر: تجارب نساء أمريكيات اخترن الإسلام" (ليز سَمِت، ميسوري، طبعة سادسة 2002).
والسلام عليكم ورحمة الله.